الاستقرار الوظيفي والدخل الكبير هما الهدف
بقلم: ياسر خليل
من الواضح أن آثار الماضي لا يمكن محوها بسهولة، فما زال المثل المصري القديم القائل "إذا فاتك الميري فتمرغ في ترابه"، مؤثرا في نسبة غير قليلة من الشباب، وهو مثل يعكس مدى أهمية الالتحاق بوظيفة حكومية، وإلا عليك أن تعض بنان الندم.
وتؤثر ميزتان رئيسيتان على تفضيل معظم الشباب لوظيفة ما دون غيرها، وهما الاستقرار الوظيفي، والدخل المرتفع.. وفي مصر، نادرا ما تجتمع الميزتان معا.
يضاف إلى هذا، رغبة النسبة الغالبة منهم (خاصة الإناث) في العمل ضمن تخصصاتهم الدراسية إذا ما أتيحت لهم الفرصة، غير أن ارتفاع معدلات البطالة وقلة فرص العمل غالبا ما تعرقل تحقيق تلك الرغبة.
وتتمثل الوظائف العشر الأولى التي تحبذها النسبة الأكبر من الشباب في: طبيب، مهندس، دبلوماسي، موظف في شركة بترول، موظف في بنك، مرشد سياحي، طيار، بحار، مبرمج كمبيوتر، مترجم.
وطبقا لاستطلاع للرأي شمل 1000 أسرة من شتى المحافظات المصرية (26 محافظة)، أجراه مؤخرا "المركز الإلكتروني لاستطلاع الرأي" التابع لمجلس الوزراء، فإن 48% فضلوا العمل في وظيفة حكومية نظرا لاستقرارها النسبي، فيما فضل 12% العمل بالقطاع الخاص لأن عائده المادي أكبر، و11% حبذوا العمل الحر، بينما اعتبر 29% أن أي عمل بغض النظر عن نوعه سيكون مفضلا بالنسبة لهم.
ربما يفسر ما وصل إليه أصحاب النسبة الأخيرة الـ29% من الموافقة على أية فرصة عمل دون شروط، أزمة البطالة التي يعاني منها الشباب، وهو ما بدا جليا في الاستطلاع ذاته: "40% من الأسر التي تشكل إجمالي عينة هذا الاستطلاع لديها شخص على الأقل، ابن أو أخ أو قريب، يبحث عن فرصة عمل أو في انتظار فرصة عمل في أي من المجالات".
ونسبة البطالة، طبقا للتقديرات الرسمية، شهدت انخفاضا طفيفا العام الماضي فبلغت 10.57% فيما كانت قد استمرت في الصعود المضطرد 5 سنوات متتالية إلى أن وصلت إلى 10.83% عام 2003 بعد أن كانت 8% في عام 1999.
وتؤثر البطالة في اختيار الشباب بصورة أساسية لوظائفهم، ويفرض الواقع إرادته على العديد منهم، وهو ما يدفعهم إلى الميل أكثر لشغل الوظائف الحكومية رغم انخفاض أجورها، وتتجه الجموع التي فشلت أو انتابها اليأس من إمكانية الحصول على تلك الوظائف إلى القطاع الخاص، أو الأعمال الحرة كحل بديل.
يقول هاني (23 سنة) الذي تخرج من كلية الآداب جامعة القاهرة، إنه يتمنى أن يعمل كمدرس لمادة التاريخ، غير أن الواقع فرض عليه أن يعمل في مهنة "النقاشة" أي طلاء الجدران.
ويعكس هاني حاله في كلمات قليلة قائلاً: "كنت أتمنى أن أعمل في وظيفة جيدة، كنت أتمنى أن أكون مدرسا لمادة التاريخ، أو مرشدا سياحيا، أو مؤرخا، أو صحافيا" وبعد فترة صمت قصيرة، ينطق ضاحكا "أو نقّاش".
ويشير هاني إلى العديد من زملائه ممن حذوا حذوه، فمنهم من عمل في إصلاح الأجهزة المنزلية، ومن عمل في إصلاح وتركيب توصيلات الكهرباء، أو مجال صيانة أجهزة الكمبيوتر.
وحازم (26 سنة) يقول إن حلم حياته الآن هو أن يحصل على وظيفة حكومية، كي يضمن الاستقرار: "أريد أن أعمل في الحكومة، حتى إن لم يكن في نفس تخصصي الدراسي، فهذا سيكون أكثر أمانا واستقرارا بالنسبة لي ولأسرتي في المستقبل".
ويروي حازم الذي درس "العلاقات الصناعية" في "الجامعة العمالية" بالقاهرة، كيف كان طموحا في الماضي القريب، وكيف أن طموحاته الجامحة قد غطت في نوم عميق بعدما أرهقت في مواجهة الواقع.
حازم كان يرغب في العمل في مجال البرمجيات وتصميم مواقع الإنترنت، وحاول مرارا وتكرارا أن يحصل على منح أو دورات مدعومة من جهات حكومية متخصصة في تنمية مهارات الشباب في تكنولوجيا المعلومات، إلا انه أصيب بالفشل.
وتعتبر رشا (22 سنة) أن تفضيل الوظائف يجب أن ينظر له بشكل مختلف من قبل الشباب، وتقول: "أنا لا أرى أن هناك وظيفة أهم أو أفضل من وظيفة أخرى، وبالنسبة لي أهم وظيفة هي التي أحبها، وتشعرني بأنني أقوم بعمل مختلف عن الآخرين، والتي تكسبني خبرات في الوقت ذاته، وهي الوظيفة التي أمضيت وقتا طويلا في دراستي للعمل بها".
وعلى الرغم من إيمان رشا وحبها للإعلام ودراستها له، واشتغالها بالصحافة بشكل غير منتظم، إلا أنها بقيت حتى اليوم تعمل في إحدى المنظمات المهتمة بالدفاع عن حقوق المرأة، وهي تحب هذا العمل أيضا لكونها امرأة، إلا أن نسبة محدودة من بين الشباب هم الذين يشعرون بالرضا عن أعمالهم.
هبة (24 سنة) كانت تحلم أن تصبح مضيفة جوية، في إحدى شركات الطيران الخليجية، غير أن الحال انتهى بها لتصبح مندوبة مبيعات، تمر لبيع زجاجات الرائحة في المقاهي، في وسط المدينة.
وكذلك زينب (23 سنة) التي تعشق العلاقات العامة والتعامل مع الناس، وكانت تحلم بأن تعمل في قسم خدمة العملاء بأحد البنوك الاستثمارية، وفي قسم العلاقات العامة في إحدى الشركات الكبرى، فانتهى بها الحال سكرتيرة في شركة صغير جدا، إلى حد جعلها تقضي معظم وقتها في قراءة الجرائد وتأمل جدران الشركة.
إلا أن هذا لا يعني أن الأمل مفقود تماما لدى جميع الشباب، فهناك البعض منهم يصر على الكفاح ويتحدى، ويضع في اعتباره صورة الواقع بكل ما فيه من مشكلات ومزايا، دون خيال أو تجميل، ويدرك أن سوق العمل أصبح يتلقى كل عام ما يزيد على نصف مليون شاب وفتاة، من بينهم 346,327 من خريجي الجامعات والمعاهد العليا والمتوسطة، وعلى من يرغب في النجاح أن يناطح الصخر، ويتحدى ويجتاز الصعاب بغية تحقيق هدفه.